الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

537

تفسير روح البيان

خلق اللّه في الأرض الأسباب ومنها فتح الأبواب قال بعض الكبار مراعاة حق أم الولد من الرضاع أولى من مراعاة أم الولادة لان أم الولادة حملته على جهة الأمانة فكون فيها وتغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك فما تغذى الا بما لو لم يخرج منها لأهلكها وأمرضها فللجنين المنة على أمه في ذلك واما المرضعة فاتما قصدت برضاعه حياته وإبقاءه ولهذا المعنى الذي أشرنا اليه جعل اللّه المرضعة لموسى أم ولادته حتى لا يكون لامرأة عليه فضل غير أمه فلما كبر وبلغ إقامة الحجة عليه جعله اللّه كلا على بني إسرائيل امتحانا له فقلق من تغير الحال عليه وقال يا رب أغنني عن بني إسرائيل فأوحى اللّه اليه أما ترضى يا موسى أن أفرغك لعبادتي واجعل مؤونتك على غيرك فسكت ثم سأل ثانيا فأوحى اللّه اليه لا يليق بنبي أن يرى في الوجود شيأ لغير سيده فكل من رزق ربك ولا منة لا حد عليك فسكت ثم سأل ثالثا فأوحى اللّه اليه يا موسى إذا كانت هذه شكاسة خلقك على بني إسرائيل وأنت محتاج إليهم فكيف لو أغنيتك عنهم فما سأل بعد ذلك شيأ فاللّه تعالى يوصل الرزق على عبده بيد من يشاء من عباده مؤمنا أو كافرا وكل ذلك من الحلال الطيب إذا لم يسبق اليه خاطرة أو تعرض ما ولا منة لاحد عليه وانما يمن الجاهل وابتلاؤه تعالى لأوليائه بالفقر ليس من عدم قدرته على الإعطاء والإغناء من عدم محبته لهم وكرامتهم عنده بل هو من انعامه عليهم ليكونوا ازهد الناس في الدنيا وأفر اجرا في الآخرة ولذا قال عليه السلام في حق فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا وكان عليه السلام يستفتح بصعاليك المهاجرين اى فقرائهم لقدرهم وقبولهم وجاههم عند اللّه تعالى على أن الأغنياء ان خصوا بوجود الأرزاق فالفقراء خصوا بشهود الرزاق وهو خير منه وصاحبه أنعم فمن سعد بوجود الرزاق لم يضره ما فاته من وجود الأرزاق قال الجنيد قدس سره خزآئنه في السماوات الغيوب وخزآئنه في الأرض القلوب فما انفصل من الغيوب وقع على القلوب وما انفصل من القلوب صار إلى الغيوب والعبد مرتهن بشيئين تقصير الخدمة وارتكاب الزلة وقال الواسطي قدس سره من طالع الأسباب في الدنيا ولم يعلم أن ذلك يحجبه عن التوفيق فهو جاهل وفي التأويلات النجمية وللّه خزآئن الأرزاق السماوية من العلوم والمعارف والحكم والعوارف المخزونة لخواص العباد يرزقهم حيث يشاء وللّه خزآئن الأرزاق الأرضية من المأكولات والمشروبات والملبوسات والخيول والبغال المخزونة لعوام العباد ينفق عليهم من حيث لا يحتسبون ولكن المنافقين بسبب إفساد استعداداتهم وعدم نورانيتهم وغلبة ظلمانيتهم ما يفهمون الاسرار الإلهية والإشارات الربانية يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) روى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حبن لقى بنى المصطلق وهم بطن من خزاعة على المريسيع مصغر مرسوع وهو ماء لهم في ناحية قديد على يوم من الفرغ بالضم موضع من أضخم اعراض المدينة وهزمهم وقتل منهم واستاق ألفي بعير وخمسة آلاف شاة وسبى مائتي أهل بيت أو أكثر وكانت في السبي جويرية بنت الحارث سيد بنى المصطلق أعتقها النبي عليه السلام وتزوجها وهي ابنة